عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
96
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
أنه يسمعك صلى اللّه عليه وسلم ، وكن إذ ذاك متأدبا جامع الهمة لتصل إليه صلاتك عليه وأنت حاضر بقلبك لديه فإن لجمع الهمة أثرا ، واستحي أن تذكره وتصلي عليه صلى اللّه عليه وسلم وأنت مشغول بغيره ، فتكون صلاتك جسما بلا روح ؛ لأن كل عمل يعمله العبد من أعمال البرّ إذا كان منوطا بحضور القلب كانت صورة ذلك العمل حيّة ، وإذا كان منوطا بالغفلة وشغل الخاطر بالغير كانت صورته ميتة لا روح لها . ومن ثمّ قال مشايخنا رضوان اللّه عليهم : إن النيّة روح العمل . ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات » « 1 » . ولقد سمعت سيدي وشيخي الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي قدّس اللّه تعالى روحه في الجنة يوما وهو يقول : إن العمل إذا صدر من العبد غير مقارن للنية في أوله ، فإذا أراد أن يقصد به وجه اللّه فلينوي بعد الشروع فيه فإنه يكون ذلك سببا لنفخ الروح فيه ، ولو كان العبد قد نوى نيّة قبيحة ثم تاب عنها في أثناء العمل ، ونوى نيّة صالحة غير تلك فإن ذلك أيضا نافع في حسن صورة العمل ، ويكون العمل حيّا كاملا ، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه . وقد علمت بما ذكرناه أن القسم الأول من التعلق المعنوي وهو استحضار صورته وما يتعلق بها مع ملازمة دوام التعلق بها بالهيبة مع الإجلال والتعظيم له صلى اللّه عليه وسلم ، فعليك بذلك ففيه السعادة الكبرى ، والمكانة الزلفى واللّه الموفّق . القسم الثاني : من التعلّق المعنوي هو استحضار حقيقته الكاملة الموصوفة بأوصاف
--> - وأظن هذا من الخشوع الذي يحصل للعبد عند رؤية مواطن أقدامه وآثاره الشريفة صلى اللّه عليه وسلم وقال صاحب المصباح : زيارة الصالحين ومواطن بدر ومواطن أقدامه يشفعون في زائرهم ، ويعرفون من تأدّب عندهم ، وإن شهدا بدرا زارهم ملأ من الصحابة ، وإن الزائر المتأدب ينتفع بزيارتهم ، ذكر ذلك ملأ من العلماء . وانتفع من حيثية الزائر هو أن يتذكر ما كانوا عليه ، وما يهدى لهم من القرآن ، وما يحصل لهم من الثواب ببركة الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ووظائف الخير في هذه المواطن والصلاة عليه خير الوظائف انتهى . ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 3 ) ، ومسلم ( 3 / 1515 ) .